ابن كثير
26
البداية والنهاية
في الماء ثم ارتفع وهو يقول ( ذلك تقدير العزيز العليم ) [ الانعام : 96 ] فغرق . فلما تحققت الخوارج سقوطه في الماء كبروا وانصرفوا ذاهبين متفرقين في البلاد ، وجاء أمير جيش الحجاج فاستخرج شبيبا من الماء وعليه درعه ، ثم أمر به فشق صدره ( 1 ) فاستخرج قلبه فإذا هو مجتمع صلب كأنه صخرة ، وكانوا يضربون به الأرض فيرتفع قامة الانسان . وقيل إنه كان معه رجال قد أبغضوه لما أصاب من عشائرهم ، فلما تخلف في الساقة اشتوروا وقالوا نقطع الجسر به ففعلوا ذلك فمالت السفن بالجسر ونفر فرسه فسقط في الماء فغرق ، ونادوا غرق أمير المؤمنين ، فعرف جيش الحجاج ذلك فجاؤوا فاستخرجوه ، ولما نعي شبيب إلى أمه قالت : صدقتم إني كنت رأيت في المنام وأنا حامل به أنه قد خرج منها شهاب من نار فعلمت أن النار لا يطفئها إلا الماء ، وأنه لا يطفئه إلا الماء ، وكانت أمه جارية اسمها جهبرة ( 2 ) ، وكانت جميلة ، وكانت من أشجع النساء ، تقاتل مع ابنها في الحروب . وذكر ابن خلكان : أنها قتلت في هذه الغزوة وكذلك قتلت زوجته غزالة ، وكانت أيضا شديدة البأس تقاتل قتالا شديدا يعجز عنه الابطال من الرجال ، وكان الحجاج يخاف منها أشد خوف حتى قال فيه بعض الشعراء : أسد علي ( 3 ) وفي الحروب نعامة * فتخاء تنفر ( 4 ) من صفير الصافر هلا برزت ( 5 ) إلى غزالة في الوغا * بل كان قلبك في جناحي ( 6 ) طائر قال : وقد كان شبيب بن يزيد بن نعيم بن قيس بن عمرو بن الصلت بن قيس بن شراحيل ابن صبرة بن ذهل بن شيبان الشيباني ، يدعي الخلافة ويتسمى بأمير المؤمنين ، ولولا أن الله تعالى قهره بما قهره به من الغرق لنال الخلافة إن شاء الله ، ولما قدر عليه أحد ، وإنما قهره الله على يدي الحجاج لما أرسل إليه عبد الملك بعسكر الشام لقتاله ، ولما ألقاه جواده على الجسر في نهر دجيل ( 7 )
--> ( 1 ) كذا بالأصل والطبري 7 / 257 وابن الأثير 4 / 433 ومروج الذهب 3 / 169 وفي ابن الأعثم 7 / 92 : أمر ابن الأبرد بالغواصين فأخرجوه من الماء واحتزوا رأسه ووجه به سفيان إلى الحجاج . ( 2 ) في ابن الأعثم 7 / 87 وجمهرة أنساب العرب ص 308 وتاريخ اليعقوبي 3 / 374 : الجهيزة . ( 3 ) كذا بالأصل والعقد الفريد وتاريخ الاسلام 3 / 160 وسمط النجوم 3 / 157 ، وفي ابن الأعثم 7 / 90 : ليث الخوان . ( 4 ) في العقد الفريد : ربواء تجعل . وقبل هذا البيت في العقد : صدعت غزاله جمعه بعساكر * تركت كتائبه كأمس الدابر ( 5 ) في ابن الأعثم : هلا خرجت . ( 6 ) في العقد الفريد : مخالب ، وفي ابن الأعثم : جوانح ، وبعده فيه وليس في المراجع : الق السلاح وخذ وشاح معصفر * واعمد بمنزلة الجبان الكافر ( 7 ) دجيل : نهر بالأهواز حفره أرد شير بن بابك أحد ملوك الفرس ومخرجه من أرض أصبهان ومصبه في بحر فارس قرب عبادان وفيه غرق شبيب الخارجي ( معجم البلدان ) .